محمد جواد مغنية

91

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

سموا هذه « بالعنادية » لأنها تعاند البديهة والحس ، ومن أقوالها : ان الكون إذا كان موجودا فإما أن يكون قديما وإما أن يكون حادثا ، والقدم باطل بنفس الأدلة التي استدل بها القائلون بالحدوث ، والحدوث باطل أيضا بنفس الأدلة التي استدل بها القائلون بالقدم . وهكذا كلما اختلف اثنان في شيء ابطلوا قول كل واحد بقول خصمه ! وتقول الفئة الثانية : انه لا شيء ثابت بنفسه ، وان الموجودات بكاملها تتبع الاعتقاد ، فمن اعتقد ان السماء تحت الأرض تكون كذلك في حقه ، ومن اعتقد انها فوق فهي كذلك بالقياس اليه . ومن أدلة هذه الفئة ان العسل يكون مرا في مذاق ، حلوا في مذاق آخر ، بل قد يبدو حلوا عند الانسان الواحد في الصباح مرا عنده في المساء . وليس احساس أصدق من احساس ، والحكم بفساد أحد الاحساسين دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، فتكون جميع الاحساسات صحيحة ، وبالتالي يكون الفرد مقياس الحقيقة . وقد رد الفلاسفة هذا الدليل بان المعوّل على الذوق السليم وسموا هذه الفئة « بالعندية » أي انها تأخذ الحقيقة من عند نفسها لا من الواقع . والفئة الثالثة هي اللاأدرية لا نثبت ولا تنفي ، وهي تشك في كل شيء ، وتشك في أنها تشك ، ولو علمت بأنها تشك لناقضت نفسها بنفسها . إذ المفروض ان العلم محال في نظرها وقد استدلت على نفي العلم وعدم امكانه بأنه إما أن يحصل من الأمور البديهية ، واما من الأمور النظرية ، وكلاهما محال ، لأن البديهة تخطىء ، والنظر انما يكون حجة إذا انته إلى البديهة . وقد فرضنا أن البديهة لا يمكن الاعتماد عليها فكذلك النظر لأن المبني على الفاسد فاسد . ومن أقوال اللاأدرية انه يستحيل على الانسان ان يتعلم شيئا من غيره ، لان العلم إن بقي بعد التعليم عند المعلم فمعناه انه لم ينتقل منه إلى غيره ، بل ظل راسبا مكانه ، وان انتقل من المعلم إلى المتعلم يلزم أن يصير المعلم جاهلا بعد ان كان عالما . وان